الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

246

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالجواب قبل انتهاء المقالة طمعا في أن ينفعهم الاعتذار . فجملة قالُوا ضَلُّوا عَنَّا معترضة في أثناء القول الذي قيل لهم ، ومعنى ضَلُّوا غابوا كقوله : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ السجدة : 10 ] أي غيبنا في التراب ، ثم عرض لهم فعلموا أن الأصنام لا تفيدهم . فأضربوا عن قولهم : ضَلُّوا عَنَّا وقالوا : بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أي لم نكن في الدنيا ندعو شيئا يغني عنا ، فنفي دعاء شيء هنا راجع إلى نفي دعاء شيء يعتدّ به ، كما تقول : حسبت أن فلانا شيء فإذا هو ليس بشيء ، إن كنت خبرته فلم تر عنده خيرا . وفي الحديث : « سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكهان فقال : « ليسوا بشيء » أي ليسوا بشيء معتدّ به فيما يقصدهم الناس لأجله ، وقال عباس بن مرداس : وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع وتقدم عند قوله تعالى : لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ في سورة العقود [ 68 ] ، إذ ليس المعنى على إنكار أن يكونوا عبدوا شيئا لمنافاته لقولهم : ضَلُّوا عَنَّا المقتضي الاعتراف الضمني بعبادتهم . وفسر كثير من المفسرين قولهم : بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أنه إنكار لعبادة الأصنام بعد الاعتراف بها لاضطرابهم من الرعب فيكون من نحو قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . ويجوز أن يكون لهم في ذلك الموقف مقالان ، وهذا كله قبل أن يحشروا في النار هم وأصنامهم فإنهم يكونون متماثلين حينئذ كما قال تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ . وجملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ تذييل معترض بين أجزاء القول الذي يقال لهم . ومعنى الإشارة تعجيب من ضلالهم ، أي مثل ضلالهم ذلك يضل اللّه الكافرين . والمراد بالكافرين : عموم الكافرين ، فليس هذا من الإظهار في مقام الإضمار . والتشبيه في قوله : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ يفيد تشبيه إضلال جميع الكافرين بإضلاله هؤلاء الذين يجادلون في آيات اللّه ، فتكون جملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ تذييلا ، أي مثل إضلال الذين يجادلون في آيات اللّه يضل اللّه جميع الكافرين ، فيكون إضلال هؤلاء الذين يجادلون مشبها به إضلال الكافرين كلهم ، والتشبيه كناية عن كون إضلال الذين يجادلون في آيات اللّه بلغ قوة نوعه بحيث ينظّر به كل ما خفي من أصناف الضلال ، وهو كناية عن كون مجادلة هؤلاء في آيات اللّه أشدّ الكفر . والتشبيه جار على أصله وهو إلحاق ناقص بكامل في وصف ولا يكون من قبيل